ــ"ال" التعريف و"ال" الشعللة! ـ في فن الضحك على الذقون
لأنّني لم أعُد أقرأ أيّة صحيفة ورقيّة، فقد توّقفتُ إلى حدّ كبير عن ممارسة أحد أهم هواياتي-والأصحّ أحد واجباتي-وأحد أهم أعمدة هذه المدوّنة وأهدافها: كشف ما أسمّيه "فنّ الضحك على الذقون" وهو ما يسمّيه علماء البلاغة الإنجليزيّة أيضاً fallacies (الأباطيل؟)...
ثم إنّ... حدث أنّ...
حدث أنّني اشتريتُ العدد السابق من الدستور لمتابعة صفحة المدوِّنين (لأنّني في انتظار مقالات عن المدونين الصعايدة والمدونين الشيعة إلخ...)، وأنّني سافرتُ لأيّام قليلة في المصيف حيثُ يستمتع أصدقائي بشراء عدد لا يُحصى من الجرائد والمجلات. وهُنا دفعني فضولي إلى أن أُستَفَزّ بكامل إرادتي عند قراءة العناوين المدويّة الناريّة التي لا علاقة كبيرة بينها وبين متن الخبر أو المقال أو العمود من تحتها!
تصادف كلّ هذا مع هوجة الفرقعة الإعلاميّة التالية على قضيّة تغيير الديانة في بطاقة الهويّة وما صاحبها من حلقات "العاشرة مساءً" وثرثرات الصحف.
لفت نظري بالأخصّ هذا الأسبوع بند خاص من بنود فنّ الضحك على الذقون. لم أعُدْ أدري إن كان مُتَعَمَّداً أم أنّه نتاج من الخيبة واللهوجة! مساكين أهل الصحافة: مجبرون هم أن "يعبئوا" عدداً معيّناً من الصفحات في وقت شديد القصر. هل يعفيهم ذلك من اللوم؟ إن كان الخطأ لُغويّاً أو خطأً غير مؤثر، فجلّ من لا يسهو. لكن، حين يكون الأثر هو الشعللة وإثارة القلوب والحناجر وربّما الخناجر، فلا عُذر ولا تفويت!
لنقرأ مثلاً عنواناً لمقال حريص متعقِّل وكيف حوّل العنوان (الذي قد لا يكون كاتب المقال مسئولاً عنه بل هيئة التحرير) الرماد إلى نيران!َ
الجريدة هي الدستور والعدد هو عدد الأربعاء ٨ أغسطس.
غطّت الدستور قضيّة التحوّل الدينيّ عامةً وواقعة ظهور أحد هؤلاء المتحولين على شاشة العاشرة مساءً بشكل موضوعيّ ويكاد يكون شاملاً على خلاف الصحف الأخرى التي اتّبعت منهج صحافة الفضائح- لكن اقرأ على صفحة التحقيقات (ص ٥) هذا العنوان الغريب:
"منشورات إسلاميّة تطالب بتطبيق حدّ الردة على محمّد حجازي وترد على احتفالات المسيحيين بتنصيره هو وزوجته برفع شعار "سنقتله" ولو بعد حين!"ألا يحيّرك العنوان الصحفيّ (المانشيت)؟ أراهن أنّه قد لا يحيّر ٩٠٪ من القراء، لكن تَمَهَّل من فضلك!
يقول العنوان ما يقوله المقال عن وجود منشورات إسلاميّة (قد يختلف الكثيرون في صحة وصف المنشورات بالإسلاميّة- لكن كلمة منشورات جاءت نكرة مما يبعد الأمر عن التعميم ولا يحدّد عدداً معيّناً)- ثم يلقي العنوان بـ"قنبلة" في صورة تتمة الجملة:
"احتفالات المسيحيين بتنصيره هو وزوجته"
لاحظ الكم الكبير من المغالطات هنا!
جاءت كلمة "المسيحيين" مُعَرَّفةً (على خلاف لفظة "منشورات") و"ال" هنا ليست مجرد أداة التعريف المعتادة. لقد أدّت "ال" هنا الوظائف التالية:
- هي "ال" تعميم. فهي تقول لم لا وقت لديه لقراءة المقال إنّ المسيحيين (ولم تحدِّد أيّ طائفة منهم أو فرقة أو حتّى جنسيّة) جميعاً احتفلوا؛ الأمر الذي يسهل نفيه ويخلو من الحقيقة. فكلّ مسيحيّ مصريّ قابلته كان ردّ فعله إزاء هذا الخبر بالتحديد هو الخوف من التبعات. يفرح معظم المسيحيّون حين يدخُل شخص في دينهم، لكن ليس بهذه الطريقة ولا بهذه الملابسات- خاصّةً أنّها ليست مسألة عدد في النهاية، بل مسألة إيمان! لهذا كان المسيحيون المصريون الذين التقيت بهم-ولا يزالون-يضعون أياديهم على قلوبهم متوقعين "مصيبةً" ويعتبرون الأمر "مؤامرة" أو تغطية على شيء آخر أو لعبة توازنات.
- هي أيضاً "ال" شعللة! نعم. فكلّ من سيقرأ الخبر وقد ضايقه أمر تحوّل شاب مسلم إلى المسيحيّة سيصب جام غضبه على هؤلاء "المسيحيين" المذكورين، الصائدين في المياه العكرة، الفرحين بشخص "نكرة" ينضم إلى فريقهم! كلّ هذا جاء من جراء أداة التعريف ذات الحرفين (ال) وكان من السهل أن يخرج العنوان: "وترد على احتفالات بعض المسيحيّين/ أو ترد على احتفالات مسيحيين). سينقذ التنكير العنوان من الشعللة والإثارة وسيؤدي الغرض نفسه- اللهم إلاّ إن كان هناك غرض آخر.
- لاحظ الكارثة الأخرى في العنوان: "احتفالات المسيحيين بتنصيره" وهذا خطأ لغويّ فادح! معنى العبارة السابقة أنّ المسيحيين (كلّهم بالضرورة) يحتفلون بقيامهم بتنصير الشاب! تنصير على وزن تفعيل معناه أنّهم قاموا بالعمل ونصّروا الفتى! جميع المسيحيين نصّروا الفتى واحتفلوا بهذا التنصير! يا للمصيبة!
الصحيح هو "احتفالات مسيحيين بتنصُّرِه هو وزوجته"، تَنَصُّر على وزن تَفَعُّل من تَنَصَّر ستحوِّل المعنى تماماً إلى ما هو أقرب للحقيقة والمنطق: هؤلاء المسيحيون المذكورون يحتفلون بتنصُّر الفتى أي دخوله في ديانتهم، وليس بتنصيره أي إدخالهم إياه في ديانتهم بطريقة أو بأخرى!
يبقى أن أقول إنّك حين تقرأ المقال لن تجد أيّ مثال أو أيّ دليل على وجود مثل هذه الاحتفالات. فقط هذه العبارة: "...تلك الاحتفالات التي بدأ بعض الأقباط في ممارستها على صفحات الدردشة وغرف الپال توك وغيرها من المواقع الإلكترونيّة". دردشة؟ پال توك؟ إلكترونيّة؟ بعض؟ كيف ترجم هذا إلى "احتفالات المسيحيين بتنصيره"؟
ما رأيكم دام فضلكُم؟ هل الكاتب (محمد الدسوقي رشدي) مسئول عن العنوان أم من؟
ثم لنقرأ عن القصّة نفسها، في جريدة الفجر (عدد الإثنين ١٣/ ٨)، وعنوان يحتوي على رقم قياسيّ من التعميمات- ولن أسهب بالطبع في تعديد التعميمات؛ أترك عمل القائمة لأيّ قارئ فَطِن:
الكاتب: محمد الباز
العنوان (ما بين الأقواس ليس في العنوان بل ردود أفعالي):
شاب تافه وشعب أتفه! (أنا مش تافه أيّها المحرِّر الـ...محترم!)
حجازي شو
حجازي شخص غير مسئول.. تزوج زواجاً شهوانيّاً (وعرفت ازّاي؟) دون أن يكون لديه مورد ينفق منه على زوجته وبيتهس/ فشل في التعليم والسياسة والشعر (عرفت ازّاي برضه؟).. فلم يكن أمامه إلا أن يشنق نفسه أمام الجميع حتى ينال الشهرة التي يسعى إليها/ مهزلة حجازي كشفت الجميع (يا جامد! يا فاهم كلّ حاجة).. رموز العمل السياسي غير المسئولين.. المسلمين المتعصبين.. والأقباط بمؤامراتهم وسلبيتهم (!!!!!)
Labels: جريدة الدستور, جريدة الفجر, فتنة طائفية, فن الضحك على الذقون, قبط, مصارحة ومصالحة